محمد متولي الشعراوي

1688

تفسير الشعراوى

تعبدنا اللّه بخمس صلوات فنزيدها لتصل إلى عشرين مثلا ، ونحن تعبدنا اللّه بصيام شهر في العام ومنا من يصوم في كل شهر عددا من الأيام . العام ومنا من يصوم في كل شهر عددا من الأيام . وتعبدنا بالزكاة بالنصاب ، ومنا من يزيد على النصاب ، وتعبدنا سبحانه بالحج مرة ، ومنا من يزيد عدد مرات الحج . فحين يريد العبد أن يدخل في مقام الإحسان فبابه هو أداء عبادات من جنس ما تعبده اللّه به ؛ فالعبد لا يخترع أو يقترح العبادة التي يعبد بها اللّه ، ولكنه يزيد فيما افترضه اللّه . وهؤلاء الذين آمنوا باللّه من أهل الكتاب ويتحدث عنهم القرآن ، لقد دخلوا بثقلهم في الإسلام فصلوا آناء الليل وقرءوا القرآن ، ودخلوا مقام الإحسان ، وأرادوا أن يطبقوا القول الحق : كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) ( سورة الذاريات ) أي أنهم ما داموا قد صلوا في الليل ، وقليلا ما هجعوا فلا بد أنهم قد أدوا الصلاة في آناء كثيرة من الليل . ونحن حين ندخل في مقام الإحسان ونصلى في الليل ، ونكون بارزين إلى السماء فلا يفصلنا شئ عنها ، وننظر فنجد نجوما لامعة تحت السماء الدنيا ، وأهل السماء ينظرون للأرض فيجدون مثلما نجد من النجوم المتلألئة اللامعة في الأرض ، ويسألون عنها فيقال لهم : إنها البيوت التي يصلى أهلها آناء الليل وهم يسجدون ، وكل بيت فيه هذا يضئ كالنجوم لأهل السماء . ويضيف الحق في صفات هؤلاء : « وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » وهل فرض اللّه على خلقه بأن يصلوا آناء الليل فلا يهجعون إلا قليلا من الليل ؟ لا ، ولكن من يريد أن يدخل في مقام الإحسان ، فهو يفعل ذلك . أما المسلم العادي فيكتفى بصلاة العشاء ، وعندما يأتي الصبح فهو يؤدى الفريضة . لكن من يدخل في مقام الإحسان فقليلا من الليل ما يهجع . وينطبق عليه القول الحق : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 ) كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 ) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 19 ) ( سورة الذاريات )